مقالة عن عراجين و مسألة الدستور - ليبيا اليوم

كتبهاالسنوسي حبيب ، في 9 أبريل 2007 الساعة: 02:35 ص

             عراجين ومسألة الدستور

 

 

مدخل أول
هذا الوطن الذي نحب ، مفازة الرمل والصحاري الممتدة آلاف الكيلومترات ، وشريط الخضرة الرقيق المحاذي لملوحة البحر حوالي 2000 كيلومتر .
هذا الوطن برماله وصحاريه وشطآنه ، برياحه ونسماته ، نحبه ونعشقه ، وقديماً خرج أجدادنا الأوائل لمحاربة القبلي الذي جعل حياتهم قاسية إن لم تكن متعذرة ، ورغم ذلك أحبوا هذا الوطن وأورثونا هذا الحب ، نحبه رغم كل قسوة ونعشقه رغم كل شح أو جحود ، مقدمين في كل حين وعبر كل تجربة مايتطلبه هذا الحب من ثمن ، دون كلل أو ملل ، آملين دائماً في أن القادم أجمل وأجدر ، متطلعين إلى مستقبل هو دائماً يهرب إلى الأمام ونركض خلفه مرددين في كل حين وفي كل ملمة تلك المقولة الشهيرة للأستاذ علي مصطفى المصراتي " لبيك وطني لبيك " عاملين في كل حين على أن نكون جديرين بهذا الوطن على أمل أن يصير الوطن جديراً بنا .
تداعت هذه الخواطر على ذهني عقب قراءتي للملف الذي كرسته دورية عراجين لمسألة الدستور في ليبيا ، فما الذي يجعل كوكبة من كتاب وبحاث ومثقفي ليبيا يتجشمون عناء البحث والدراسة والجلوس الساعات الطوال لمناقشة هذه المسألة وبذل الجهد من أجل إثرائها لو لم يكن الحب الغامر هو الذي يحركهم ، مالذي يجعل أسرة تحرير عراجين تقدم على معالجة هذه المسألة المهمة والحساسة رغم ما تعانيه عراجين من مشاكل وعراقيل ، ماالذي يجعلها تفعل ذلك ذلك لو لم يكن حب هذا الوطن والبحث له عن وضع أفضل .

مدخل ثانٍ :
هذا الوطن الذي نحبه جميعاً ونشعر بالانتماء له رغم اختلاف مشاربنا وتوجهاتنا واختلاف مواقعنا وقدراتنا يتوجب علينا جميعاً أن نحس بأننا شركاء متساوون كأسنان المشط في الوقوف على ترابه والاستناد إلى حائط تاريخه ، دون وجل أو تخوّف أو اقصاء أو تخوين ، وبما يتطلبه ذلك من ايجاد لغة مشتركة ترفع التسامح عنواناً والقدرة على الاستماع إلى صوت الآخر واسماعه صوتك بما لا يُفسد للود قضية كما يُقال ، وبما يجعل الوطن يتسع لكل أصوات بنيه على تمايز مواقفهم ومواقعهم وبما يعلي لغة الحوار ويغني التجربة ويحصننا ضد الفرز الحاد والاحتقان والطرح المتطرف والتصادم لا سمح الله .
إن تجربة الثورة في ليبيا وهي تقترب من عامها الأربعين ، بدأت تفرز تطلعات وأفكاراً ومشاريعاً ومحاولات لصنع المستقبل ربما كان شعار ليبيا المستقبل هو احدى تجلياتها ، إضافةً إلى ما يُطرح من أفكار عن الاصلاح ومحاربة الفساد والبحث عن أفكار بديلة وتطبيقات جديدة ترتب عليها تغييراً في السلوك الاقتصادي لمؤسسات الدولة وللأفراد ، كذلك ما تشهده علاقات ليبيا بالعالم من نمط مفارق لتجربتها السابقة ، كل ذلك يدفع الأمور نحو مرحلة جديدة بدأت تتشكل وتبرز طلائعها على أرض الواقع .
في وضع كهذا يتوجب على كُلٍّ مِنَّا أن يدلي بدلوه شرط أن يتوفر في الجو العام المناخ الصحي الذي يحفظ للجميع حق المشاركة في صياغة الرأي العام ، وضخ الأفكار عبر وسائل توصيل متنوعة مما يستوجب تعدد منابر التوصيل ( صحف ، مجلات ، إذاعات ، صحف ألكترونية … إلخ … ) بما يجعل الحوار صحياً وحقاً للجميع وواجباً على الجميع ، ولعله في هذا الإطار يمكننا قراءة ملف عراجين عن الحياة الدستورية في ليبيا .
هذه المبادرة التي نرجو أن تردف بمبادرات أخرى من ذوي الخبرة والاختصاص والمهتمين بالشأن العام وأن يحظى موضوع الدستور بما يستحقه من نقاش وحوار يغنيه ويساهم في خلق مناخ صحي لتطوير الأفكار والمعالجات .
تنقسم مبادرة عراجين إلى _ 3 _ أقسام
القسم الأول : ملف العدد ، ويمتد على مساحة 60 صفحة محتوياً 5 دراسات ومقالات تحت عنوان رئيسي هو ( ليبيا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية ) وموزعاً على خمسة عناوين داخلية لخمسة كُتَّاب :
 1 – ليبيا والحاجة إلى دستور .
2 – شرعية دستورية .
3 – قُل لي بربك ما هو الدستور .
4 – الميراث واليوتوبيا .
5 – التشريعات الوطنية و حقوق الإنسان .
6 – لقاء مع الدكتور زاهي المغيربي ، تحت عنوان الدستور وتكوين المجتمع الليبي وعلى مساحة عشر صفحات .
القسم الثاني : وتحت نفس العنوان السابق ( من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية ) ، ندوة من قسمين وعلى مساحة 43 صفحة وبمشاركة 14 عضواً إضافة إلى مديري الندوة ، تنوعت إختصاصات المشاركين بين القانون والإقتصاد السياسي وعلم الإجتماع والأدب والشعر والتاريخ والنقد والترجمة والنشطين السياسيين .
القسم الثالث : تحت عنوان ذاكرة وعلى مساحة 17 صفحة وقد تضمن أربع وثائق ذات صبغة دستورية وقانونية هي : 
1 – الإعلان الدستوري الصادر عن مجلس قيادة الثورة في 11 ديسمبر 1969 م .
2 – إعلان عن قيام سلطة الشعب الصادر عن مؤتمر الشعب العام في 2 مارس 1977 م .
3 – الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان الصادرة عن مؤتمر الشعب العام .
4 – قانون رقم 20 لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية الصادر عن مؤتمر الشعب العام في الفاتح 1991 م .
ملاحظات فنية :
1 – شكَّلَ مجمل صفحات الملف + الندوة + الذاكرة ، ما مجموعه 130 صفحة أي ما يتجاوز نصف صفحات دورية عراجين التي بلغت 250 صفحة .
2 – يُلاحظ التوازن في المساحةِ المُتاحةِ للدراسات والمقالات والندوة والذاكرة .
3 – اقتصر اهتمام الذاكرة فقط على الوثائق الدستورية الصادرة بعد الثورة .
4 – تنوعت اهتمامات واختصاصات المشاركين في الندوة .
استخلاصات :
بعد القراءة المتأنية للملف بمكوناته الثلاثة ( الدراسات + الندوة + الوثائق ) يمكننا التوصل إلى عدة نقاط ، على أن أول وثيقتين دستوريتين صدرتا في فترة الإحتلال الإيطالي لليبيا وهما دستورا طرابلس وبرقة ، وقد صدرتا سنة 1919 م إلى أن صدر أول دستور ليبي في 7 أكتوبر 1951 م وقد أُعتبرت كل هذه الوثائق الدستورية ملغاة بمجرد قيام الثورة وإصدار الإعلان الدستوري .
أولاً – عن دستورية الوثائق التي صدرت بعد قيام الثورة :
فقد أجمعت كل الأراء سواء في الدراسات أو في الندوة بقسميها على عدم كفاية هذه الوثائق وعلى احتياجها إلى التنقيح والتعديل والإضافة وإلغاء التضارب وعدم الإنسجام فيما بينها أحياناً ومع بعض القوانين الصادرة بعدها ، مما أدى إلى ان تكون هذه الوثائق غير كافية لأن تشكَّل مدونة دستورية جامعةً مانعة وملبيةً لمتطلبات الدولة القانونية والتشريعية ، مع ملاحظة التمايز في النظرة إلى هذه الوثائق ، إذ يرى البعض أن بها جملة من المعايب تجعلها تقصر عن أن تكون دستوراً حتى إن ضُمت إلى بعضها ، ويرى بعض آخر أن بها ميزات قانونية يجب الثناء عليها وتأكيدها ، وهناك رأي يعتبرها ناجزة لاينقصها إلا أن تُضم إلى بعضها في مدونة واحدة واسم واحد هو الدستور مع ملاحظة إمكانية المراجعة والتعديل لاحقاً .
ثانياً – عن الحاجة إلى دستور :
أجمعت الأراء والمقترحات والتحليلات في مجمل الملف على الحاجة المُلِّحة إلى دستور يُنضم العلاقة داخل البلاد وينتقل بالعملية السياسية من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية ، أي ضرورة اصدار دستور جامع مانع ينضم العلاقات بين مؤسسات الدولة ، بين الحاكمين والمحكومين ، وينضم العلاقة ديمقراطياً بين السلطات المختلفة ، ويحفظ للمواطن حق المواطنة تحت حماية الدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات في نصوص أساسية تسري على الجميع دون استثناء .
ثالثاً – البعد السياسي للدستور :
تمخض الحوار عن رأيين أساسيين وجملة تفصيلات .
يقول الرأي الأول بوجوب قيام حوار وطني موسع حول مسألة الدستور أولاً ثم العمل على وضع نصوص الدستور .
أما الرأي الثاني فيقول بوضع الدستور أولاً ثم الدخول في حوارات تحت رعايته وبما يكفل هامشاً واسعاً محمياً للمتحاورين .
أما التفصيلات فقد كانت عن السعي إلى الانتقال إلى علاقات القانون المنظم بدل علاقات القوة ، وإلى طرح الحل الديمقراطي المتعدد الأراء والاجتهادات ، وإلى وجوب فصل سلطة القضاء عن السلطات التشريعية والتنفيذية . وعن حالة التغيير التي تشهدها البلاد ومايستوجبه ذلك من تغيير في حالات القانون وفي تشكل أدوات السلطة . وعن وجوب تعدد المنابر الإعلامية . وإنَّ المطالبة هي بدستور ديمقراطي يفصل بين السلطات ويحدد مسؤليات كل جهات الدولة ويضمن حرية الممارسات الثقافية والإقتصادية والإجتماعية لكافة فئات المجتمع .
رابعاً – عن من يصوغ الدستور :
يبرز في هذه النقطة رأيان يقول الأول بعقد مؤتمر وطني تُدعى إليه كافة القوى والتيارات الفاعلة سياسياً واجتماعياً بالاضافة إلى الشخصيات العامة و رجال القانون والتشريع ، وينشأ عن مثل هذا المؤتمر مشروع دستور وطني ثم يُطرح للشعب للتصويت عليه .
ويقول الرأي الثاني بقيام مجموعة من الخبراء والمختصين بوضع مسودة لمشروع دستور تتكون من مجموعة مباديء أساسية تُشكِّلُ الهيكلية الأساسية والجوانب الفنية لمثل هذا الدستور ، وينبغي أن تُقام الندوات وأن يُفتح الحوار حوله توسيعاً للنقاش وافساح المجال لمشاركة مختلف المؤسسات والأطراف والقوى الوطنية ثم تُطرح حصيلة ذلك على المؤتمرات الشعبية لاتخاذ القرار .
خامساً – مَن يُبادر لإطلاق العملية الدستورية :
تبرُزُ هنا ثلاثة أراء سياسية : -
1 – أن يبادر العقيد معمر القذافي باعتباره قائد الثورة بطرح هذه المبادرة وللانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية .
2 – أن يقوم أحد المواطنين بطرح فكرة الدستور في مؤتمره الشعبي ثم تُطرحُ في مؤتمر الشعب العام ليُصار لتعميمها على المؤتمرات لاتخاذ القرار .
3 – أن تبادر مؤسسة القذافي للتنمية بتبني هذا المشروع وطرحه .
وإذن فمسألة إعادة النظر فيما أنجزنا من أمور في كل المجالات أصبحت مسألة ضرورية ومُلِّحة إذ تشهد ليبيا منذ عدة سنوات تغييرات ملحوظة ومُعلنة في الجانب الاقتصادي وفي السياسة الخارجية ، وتشهد مطالبة ملحاحة في اتجاه السماح بتعدد الأراء وتعدد المنابر المعبرة عن ذلك إضافةً إلى حق المواطن في التعبير عن أرائه أو قراراته في المؤتمرات الشعبية ، فإنَّ الأصوات المطالبة بإعادة النظر في الأداء الإعلامي بمعنى السماح بأنشاء الصحف والمجلات والاذاعات الخاصة أسوةً بما تم من إجراءات في الجانب الإقتصادي .
وفي هذا السياق تأتي المطالبة ببنية دستورية تنظم أسس حركة هذا المجتمع هي أيضاً مُطالبة ملحاحة ، ويأتي في مرحلتنا الراهنة ضرورة أن تقول جميع الفئات والعناصر والقوى السياسية كلمتهم في هذه المسألة بشفافية وبالتزام بأن مركب ليبيا تسير بنا جميعاً ولنا بها حقوق وعلينا لها واجبات مما يستوجب أن يعرف كل منا حقوقه وواجباته بشكل منظم ومنضبط ومنهجي وواضح وموضوعي بعيداً عن التعصب أو علاقات القوة مما يحمينا من كل أصناف التوتر والاحتقان ، ولا يجب أن يلهينا ما تتمتع به ليبيا من تمازج وتناغم سكاني وثقافي وماتنعم به من حس الاستقرار ، لايجب أن يلهينا عن مهمة تمتين وضعنا الداخلي بتحديث بناه ومأسسة أدائه بما يجعلنا ننتقل من حالة الثورة إلى وضع الدولة .
إنَّ مبدأ الصفح والتسامح في معالجة الواقع من مختلف الأطراف وخاصة الذين سبق أن لحق بهم غبن أو ضيم في المراحل السابقة ، إن مبدأ التسامح هو العنوان الذي يجب أن يرفعه الجميع بحثاً عن وضع أفضل وأمثل لبناء ليبيا الحديثة ، ليبيا المستقبل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

هون ، في 4 / 4 / 2007 م

هذه المقالة إعادة نشر عن جريدة ليبيا اليوم الالكترونية

IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=2771&NrIssue=1&NrSecti

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مقالة عن عراجين و مسألة الدستور - ليبيا اليوم”

  1. شكراً سنيس على هذا الإدراج المهم لكن دعك من هذه الخلفية القاتمة لمدونتك انها مزعجة في القراءة أرجوك أجعل الخلفية بيضائ لكي نتمكن من متابعة ابداعاتك ومقالاتك

    شكراً

    قاريء

  2. كل شئ ممكن

    مذهل أيها الهوني العابق بروحك

  3. وينك انت يا استاذ سنوسي لم نرى لك اصدارا جديدا

    دعنا نعانقك

    و نسرح في مفازتك

    ننظرك بامل

    البحتري

  4. والله ماصايرة حاجة مهبول يدوي وعاقل يسمع



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر