غناء الصراصير و بكاء العناكب ، للكاتبة انتصار الجماعي

كتبهاالسنوسي حبيب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 16:31 م

عبر رحلة إبداعية طويلة من القصص يتنقل من خلالها الكاتب أحمد يوسف عقيلة من القرية الي المدينة الي السفوح ، الوديان  ، الجبال في جو ريفي يعبق بعطر الوادي الأخضر كتب عن كل ما صادفه من خلال رحلته التي بدأت منذو التسعينات جاءت هذه الأعمال تباعا ، متميزة ، أسلوبا و فكره و لغة و هذا يعود علي استمرار الكاتب علي صقل موهبته و هذا الصقل ينعكس في بساطة لغته و رؤيته الاجتماعية الأكثر وعيا ، و بعده عن السذاجة من الألفاظ بروية حرص علي تواصل نسج الماضي بالحاضر للتقديم المستقبل مشرف .

فمن خلال مطالعتي لهاتين المجموعتين (( غناء الصراصير )) (( عناكب الزوايا العليا )) اكتشفت بأن أهم ما يميزهما الأطر المكانية التي تكاد تتجلي واقعيتها و تفوح منها رائحة الأصالة تنادي القاري للأنظمام إليها و الغوص في زواياها الحية الرائعة .

و لقد تميزت قصصه بمجموعه من الأنساق كتنوع الشخصيات و تقنيات سردية و توظيف مفردات الواقع .

فهناك تنوع في شخصيات المجموعتين في الحالة الاجتماعية و الاقتصادية و كذلك التعليمية فاغلب الشخوص أبناء ريف يسعون الي تحقيق النجاح في هذه الحياة كما أن للعجائز اهتمام لدي الكاتب مما يدل علي بيان تعلقه بجذوره و البيئة التي أنشأها و تدل علي هذا كثرة ورود المشاهد الوصفية مثل البحر و الجبل و الشعر(( تهبط الغيمة .. تسيل في السفوح و المنحدرات .. تسرق تلثم الحصى .. ))

(( تنحدر نحو قاع الوادي .. تجرف الضفاف الطينية .. ثم تتمدد غديرا داكنا كدرا )) 1

 و تنوع الشخصيات من موقع الي أخر مما منح قصصه مزيدا من التنوع لتسجل زوايا مختلفة من مناخ الكاتب الفكري الذي تطور من موقف الي أخر و من حدث الي ثاني مثل شخصيات

 (( حمد المنجل ، خير الله ، صالح ، رابحة ، زمزم ، الحاج نويقص ، و عامر ))  

و هذا ينم علي القدرة الفائقة لدي الكاتب و علي براعته بالسرد وتشكيل الشخوص في قصصه فهي تتدفق بيسر و سهوله دون كثير من التعب أو العناء تشد القاري الي المتابعة بنهم ثم معايشة الأحداث في أطار لا يعوزه التشويق .

و الشخصيات في القصص لا تمثل نفسها بل تمثل قطاع كبير من قطاعات المجتمع فمثلا شخصيتي الحاجة زمزم في عناكب الزوايا العليا  و الحاجة خديجة في غناء الصراصير هما عبارة عن عجوزين امتهنتا مهنة التنظيف لكل منهما أسلوبها الخاص و رمزها الذي يود الكاتب إيصاله الي القاري و لكن أوجه الشبه كبيره بينهن و بين قطاع كبير إذ لم أقل كل العجائز ، و يأتي مدلول هاتين  الشخصيتين في تنظيف الأماكن الدقيقة و الصعبة و من حشرات مضرة للإنسان برغم عدم التصاقها به و هنا المدلول واضح و جلي فشخصيتي خديجة و زمزم ليست مهمشة أو مستهتر بهما الكاتب كونهما أميتان و لكن الدور الفعال الذي نسبه إليهما يوضح كون هاتين العجوزين لديهما مدلولهما العميق في نفس الكاتب و كذلك القاري المتمعن بحيث استساغ الكاتب تسمية المجموعين بقصصهما .

فالكاتب حريص علي أن يسوق أحداثة قصصه من خلال شخصياتها .. معاناتها الاجتماعية و النفسية تكسوها متعة سردية يتفاعل بها الكاتب و الشخصية بالإمساك بناحية المعايشة و المشاركة الوجدانية و الانصهار في الحدث متبوعة ببعض التعليقات و التعقيب من الشخوص و ذلك أمعانا في أثراء الحدث و تعميقه في نفس القاري .

الزمن و المكان :ـــ

هناك حياة داخل هذه المجموعتين تكاد تقفز من الأسطر لتبوح بحياتها لتنبض أمام القاري و تتراقص في إيقاع متناغم من المكان و الزمان .. أحساس بالألفة و الوجود ، فالأماكن و الوقت يلعبان دور بارز و مهم في تطوير الأحداث ووضع الإطار ألحدثي للقصة فمثلا في قصة من يأبه للقمر

(( بقايا إشفاق المساء .. طائر تخلف عن السرب .. يمزق زاعقا من فوق أسطح قريتنا .. تقوده في مجاهل الغسق روح السرب .. النوافذ المفتوحة المضاءة ثقوب صفراء في العتمة ))

هناك زمان و مكان .. و واقع يتأطر في أطار قصصي يومي لا شي غريب .. بل كل شي يوحي بالألفة و التناغم مع البيئة فالكاتب يستنبط الحقيقة و يقراء الواقع بعناية و روية يهيئ الأحداث للمستقبل للأتي من خلال لحمة و التحام موقف بينهما ، و الرمز لدي الكاتب سرعان ما ينكشف كلما أزداد القاري ألفة بالقصة و مؤانستها و يتعرف علي طبيعتها و بهذا يؤكد الكاتب اندماج الشخصية في الرمز و الرمز في الشخصية و علاقته المتينة بالهيكل الاجتماعي مما يقود لشيئين الأول أن الحدث لا يتوقف و لا ينتهي عند نقطة معينة بل يتواصل و يستمر و الثاني يقود هذا الاندماج في نهاية الأحداث الي قيمة أدبية أبداعية فائقة .

 

تقنيات سردية :ــ

لقد أعتمد الكاتب مجموعة من التقنيات السردية .. فكما هو معروف لا بد للقصة القصيرة من تميزها بإيقاع قصير و سريع خال من الإطناب و التكرار ..  و لذلك يحرص الكاتب علي تنويع الأسلوب و الإيقاع و التعامل معها بحرفية عالية و بالتالي يحفظ عنصر التشويق لدي القاري فلا يتسرب إليه الممل فتارة يظهر الحديث بلغة الأنا الساردة فمثلا في قصة المتسول

 (( لله يا محسنين .. لله .

 اعترضني .. مد الي يدا مرتجفة .. معروقة .

تحسست جيوبي .. صعد الدم الي وجهي .. تحسست قلبي ..

همست في أذنه بكلمة طيبة .. بوعد بالعطاء في المرة القادمة . ))

أو يراوحه و يجعله علي لسان الشخصية التي أختارها من الواقع كما هو الحال في قصة الجوكر في جمعية الصحابي (( المقداد بن عمرو )) الاستهلاكية لقد اصبغ الكاتب علي الشخوص القدرة علي إدارة دفة الحديث و تنحي هو جانبا ليري كيف تسير الأمور بحيث أصبح الكاتب نفسه قارئا

كذلك اعتماد الكاتب علي توظيف بعض الأمثال الشعبية مثل (( البيت رواق .. و المرأة ساق ))  

في قصة نظريات و (( مطر مارس ذهب خالص )) في الدائرة .

و الأقوال المأثورة مثل (( أفضل طريقة لتقبل الاهانة تجاهلها .. فان لم تستطع تجاهلها فزايد عليها .. فان لم تستطع المزايدة .. فربما كنت تستحقها )) قصة صخب الأحذية

و الأغاني الشعبية مثل (( مازلت نشكى بمشكاي .. و عني الدباير غابت .. و مازلت نخرز بمشفاي .. علي ركبتي نين عابت .. و مازلت نمسح بيمناي .. علي لحيتي نين شابت )) في قصة الصرخة .

كل هذه الأشياء أضفت علي القصص طابع الالتماس مع الواقع عبر تجربة الكاتب لنقلها من خصوصية التجربة الي عموميتها .

بالإضافة الي ذلك استخدم الكاتب اللغة العامية في بعض الأحيان لخلق التوازن بين الشخصيات و جعل كل الشخوص تتحدث بمستواها الثقافي وقدراتها المتفاوتة و خبراتها الحياتية و هذا الأمر يعطي الشخصية ميزة أكبر للارتباط بالواقع فكما مثلا في قصة (( الجبة )) ))  رحم الله أبي .. كان يصر دائما علي أن أصبح أماما .. ( اذا فأتتنا المشيخة .. فلا يجب أن تفوتنا الإمامة ) هكذا كان يردد )) جعل من البطل يتحدث لنفسه ومن ثم يتذكر أقوال أبيه في الماضي ، و في قصة (غناء الصراصير)

 

 (( قابلها مندوب الشركة :

ـــ كيف حالك ياحاجة رابحة ..؟

تنهدت :

ــ الحمد لله .. نعمة و رغيد .. اليوم اللي نشتري فيه البرذعة نبيع فيه الحمار … الخ ))

لقد جعل الكاتب من الحاجة رابحة تتحدث و مندوب الشركة بتلقائية وبدون تكلف أو عناء و هذا أمر يعطي الشخصية ميزة أكبر للارتباط بالواقع ،  فعندما تستدعي الشخصية ذكرياتها في القصة فهذا يعطي الحياة و الكيان للشخصية تجعل من الكلمات تتزاحم في دوائر من الذكريات 

 ( الأمل و الألم و التفاؤل و الحلم و الحب ….. الخ ) الي جانب استخدام الكاتب أسلوب القطع و الانتقال في السرد من حالة الي أخري و من موقف الي أخر و ن زمن الزمن الي جانب ترك مسافة للقاري للتأمل و الإكمال ممن خلال أسلوب الحذف الذي تكرر مرات عدة .

لقد استطاع الكاتب بقصصه للوصول الي قمة الإبداع بمحاكاته للحياة اليومية و تقديمها بقالب جديد لا يعوزه التشويق يتناسق مع شريحة كبيرة من القراء ،فما أن تبكي العناكب تجد الصراصير فرصتها السانحة للرقص علي أنغام البكاء

 _________________

هوامش :ــ

جميع الأقتبسات من

1 ــ غناء الصراصير ، أحمد يوسف عقيلة ، دار البيان ، الطبعة الأولي / بنغازي / الجماهيرية

2 ـ عناكب الزوايا العليا ، أحمد يوسف عقيلة ، منشورات المؤتمر / الطبعة الأولي / طرابلس / الجماهيرية

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بحوث ودراسات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر