لماذا " مزيدا من الغزل " ؟
- كما تعرف أنه ثمة من يعنون ديوانه أو مجموعته القصصية باختيار عنوان أحد قصائد الديوان أو المجموعة، آخر يعنون الكتاب كدلالة على الجو العام للنصوص، وثالث يختار كلمة أو عبارة من قصيدة ليمهر بها الديوان، واختياري أنا لم يخرج من هذه الخيارات وتحديداً الخيار الأول، علاوةً على أن اختياري تماهى مع الحالة الثانية وهي المناخ العام للمجموعة حين وجدت أن قصائد مجموعتي " مزيداً من الغزل " تشترك في سمة مشتركة هي الحب ومشاعر الشغف والانجذاب، ويكاد يربطها خيط رفيع أحياناً وساطع في أغلب الأحايين، وتراه في مغازلتي لهذا الحب في حالاته الإنسانية المتباينة، الجسد، الروح، الذات، الإنسان، الناس، الوطن، الأطفال، الأماكن، وحتى الحب الخفي الذي لا يُدرك، وذاك الذي يأخذنا إلى ماوراء المتخيل، إلى ماوراء المحسوس، وإذا ما قرأت مجموعتي بشكلٍ متأنٍ وراصد، ستلاحظ أنني كتبت القصائد في الفترة من 1988 إلى 2003 أما قصيدة " مزيداً من الغزل "، التي ارتأيتُ أن تكون عنواناً للمجموعة فقد كتبتها سنة 2001،
أصدرتَ مجموعتين شعريتين كتبتا في نطاق زمني واحد، البعض يعتبرها مراوحة، على اعتبار أهمية التوالي الزمني للإصدارات الذي يدفع بالمنتج الشعري بإتجاه تطوير الأدوات ؟ ما مدى صحة ذلك خاصة وأن النقد يعتبر مسألة الزمن مسألة حيوية ؟!
- إن مجموعتي الأولى " ألسنة الليل " صدرت سنة 2004 والقصائد التي تضمها كتبتها على مدى 13 سنة، كذا مجموعتي الثانية "مزيداً من الغزل " الصادرة 2006، وعن الكتابين مجتمعين ستلاحظ أن نص واحد كتبته في الثمانينات تحديداً سنة 1988، أما من نتاج التسعينات فقد اخترت 21 قصيدة، بين عامي 1992 و1999، أما الألفية الجديدة فــ 34 قصيدة بين عامي 2000 و 2004، وبذا تلاحظ كلما رجعت إلى الماضي تكون خياراتي أقل فأنا لستُ من الذين يقدسون كثيراً ما يكتبون، فليس كل ما يُكتب يُنشر في كتاب، وإزاء هذا الأمر لا اخجل أن أتساوق مع رأي الشاعر الراحل " نزار قباني " الذي يكره زيارة قصائده القديمة، وربما يبالغ حين يصفها بالقبور، وأنا اعتقد أن كرهنا لما كتبنا بالأمس يجعلنا دائماً نسعى إلى كتابة أكثر ابتعاداً عن اللاجمال، لتتوغل في فضاء الروعة والفن الرفيع، ثم لا يمكنك في ليبيا أن تسأل كاتباً لماذا تأخر في الإصدار فلدى الغالبية مخطوطات معتقة ترقد في أدراج مكتباتهم منذ سنوات تنتظر فرصة للظهور فكما تعرف ويعلم الجميع أن النشر هو الذي كان مراوحاً، ومؤخراً انفتحت أبواب النشر بعدما كانت محتكرة من دار واحدة وبائسة، ورغم أنني أكتب منذ مطلع الثمانينيات إلا أنني شطبتُ جل ما كتبته من نصوص شعرية من 1982 إلى سنة 1989 - الشطب هنا بمعنى أن أحتفظ بها في أدراج الذكريات الغضة ولا أنشرها إطلاقاً - وما تبقى من نصوص الثمانينات - وصالح للنشر - محدود، وسأنثره بين طيات مجموعاتي القادمة حسب التوافق، كما حدث مع نص الليل التالي الذي ضممته إلى مختارات مجموعتي الثانية، ثم أنك تتحدث عن مواكبة المنجز وتطوير الأدوات والنقد، وكأن لم تكن هناك فجوة في النشر والإصدار، وكأن النقاد متربصين على أبواب المناشر يلتقفون جديد الإصدارات الأدبية والثقافية ليشتغلون عليها !، أخشى أنك كُنتَ تتحدث عن الدنمارك أو السويد، أو حتى تركيا !، على أن أي كاتب أو شاعر يكتب لكي يُكتب عنه، هو غير حقيقي وهو في نظري جمَّاع أراء وعاشق مديح ونرجسيته مَرَضَية، وليس مبدعاً صادِقاً، ومن رأيي أن يواصل أدباء اليوم انشغالهم واشتغالهم على نصوصهم وتنويع مصادر تراكمهم وقراءاتهم ويبتعدوا عن أوهام النقد وغيابه وحضوره، لأن لاشيء يدمر المبدع سوى انشغاله في اللهاث وراء الأضواء وحب الظهور عن تطوير كتاباته، وعندما أقول أدباء اليوم أقصد الكتَّاب الفاعلين المنتجين من جميع الأجيال، وهنا أحب أن أورد أمثلة : فمن أجيال سابقة في الرواية والقصة مثلاً نجد الكاتبين المعروفين الكوني والفقيه فمن بداياتهما الفعلية في الكتابة أُتيحت لهما فرصاً لنشر كتبهما، أما في الشعر فنجد الحرمان أكثر حتى في زمن شعراء ليبيا المعاصرين للروائيين للكوني وإبراهيم، وقد تراكمت المخطوطات في الأدراج دون بصيص فرصة لترى أعمالهم النور،، أما في ظل عودة النشر وتعافيه النسبي اليوم فثمة ما يُبشر بالخير فانظر إلى أحدث تجربة قصصية فاعلة في ليبيا وهي تجربة القاص " حسن أبو سيف " من درنه، فقد صدر له عبر مجلس الثقافة كتابه الأول في عمر مبكر وفي الوقت المناسب بالنسبة لقصصه المكتوبة حديثاً، فلو استمر الحال هكذا مع " حسن " فسيكون تطوره طبيعياً وسيواكب النقد ( إن وُجِد ) تجربته الفتية والمرموقة في آن، فنكسب كاتباً وتجربة ينضجان كما ينبغي لهما في بيئة صحية مثالية، بيئة حاضِنة لا طارِدة، وحينها سنتحدث عن مُتلقي وانتشار وتطور أدوات ومواكبة نقدية .
لم تكن بداياتك مع الشعر من بوابة الشعر العمودي أو التقليدي، كيف يمكنك تفسير ذلك ؟ وما هي مواقفك من التجارب التقليدية الراهنة لشعراء جيلك ؟
- مثلما أسئلتك تبحث عن جرأة أو استفزاز ما، عليَّ تحمله كما طلبتَ مني في حديث جانبي فعليك أنت أن تتحمل جرأتي التي يحركها صدقي ونزعتي إلى قول الحقيقية وحبي الدائم لوضع النقاط على الحروف عندما يجب، " شوف ياعلي " ثمة ثلاثة أحكام مطلقة غافلة في سؤالك، أولاً ماذا تعرف عن بدايتي .. ثانياً من هُم شعراء جيلي في نظرك ؟! .. ثالِثاً هل على الشاعر أن يبدأ بالشعر الكلاسيكي، وإذا لم يفعل ؟ ما الضير في ذلك ؟!، ولأنك أنت المُحاوِر وأنا المُحاوَر، فأنا المعني بالإجابة وأنت من يثير الأسئلة، فكيف حكمت أن بداياتي لم تكن مع الشعر المقفى الموزون ؟ فهل أنت مطلع على كل النصوص التي نُشِرت أو بُثت لي قديماً أو حديثاً ؟ من أخبرك بأنني لم أكتب شعراً عمودياً ؟، . . . بلى كانت بدايتي كذلك من سنة 1980 إلى سنة 1982 لكنها على صحة عروضها وجودة نظمها لم تكن مضامينها سوى موضوعات بريئة لشابٍ على مقاعد الدراسة، ونشرتها في مطبوعات محلية داخل مدينة هون وأرسلت بعض منها إلى الإذاعة المسموعة بالجزائر، وليبيا، ومنذ ذلك الوقت لم انقطع تماماً عن كتابة الشعر العربي الأصيل فأعود إليه حين أجد رغبة ذاتية، وكنوع من الممارسة الذهنية لا أكثر وان تصادف وكانت قصيدة جيدة لا أخجل من اطلاع الأصدقاء عليها، أذكر أنني ( ألَّفتُ ) قصيدة تقليدية في الغزل، نهاية الثمانينات، ومؤخراً سلمتها إلى أحد أصدقائي الفنانين، سينجز تلحينها قريباً، أما ماتسميه بكتابة جيلي للشعر العمودي فأنا لا أعرف أحداً من الجيل الذي أرى أنني أنتمي إليه يكتب الشعر القديم فجميعهم يكتبون الشعر الحديث، على أن هذا التقسيم الذي يُكرس لمسألة المُجايلة حسب العقد الزمني هو تقسيم مغلوط وغير دقيق، والحديث هنا يطول ويطول، وأرى أن هذه التقسيمات تهم النقاد والبحاث والدارسين والذي حدث أن مجموعة من الشعراء الجدد أطلقوا على أنفسهم جيل ( كذا ) ومع احترامي لأثنين أو ثلاثة منهم إلا أنه كان عليهم أن يهتموا بقصائدهم ولا يتورطون في الاقتراب من ألغام النقد إلا إذا كانوا مشاريع أدباء فاشلين أو أنهم شعروا بدنو أجلهم الإبداعي !، ومنذ أن أطلقوا تلك التسمية على أنفسهم صاروا يُدخلون معهم كل من وصل بعدهم فلاحظ إن كل الذين بدأوا النشر بل والكتابة أيضاً في العقد الذي أعقبهم انضموا إليهم !، هذا يذكرني بالانتماءات القبلية المُتخلِفة في الزمن الغابر فيقال أن فلان " منسب على عشيرة كذا "، ويبدو أن هذه التسمية لذاك الجيل ستستمر في الاستيعاب إلى ما لانهاية ! …. تصور أن بعض المدعين انعرفوا بل واشتهروا بأنهم من هذا الجيل المتضخم، دون أن نقرأ لهم شيئاً، وحتى بعد أن نشروا لم نلحظ أي بوادر تجربة حقيقية، ولا حتى بصيص شعر أو شعرية، ما هي الا قوالب جاهزة وضعوا فيها بعض الكلمات التي اصطادوها من هنا أو هناك بشكلٍ ببغاوي، والأفضل الآن أن يتوقفوا فـــ " يُريّحوا ويستريحوا ! " أو فليتحولوا إلى الصحافة الثقافية، أو الوظائف في المؤسسات الثقافية ( هذا إذا قبِلت بهم ! ) ………. هل قلت شيئاً مهماً ؟؟!
يتردد بأن كتابة النص العمودي في الراهن الثقافي، هي فكرة نكوصية وثنية تطل من عباءات عبَدة التاريخ، إلى أي مدى يمكنك التطابق مع هذا القول ؟ وكيف تتعاطى كمثقف مع إرث الشعر العربي كون أدواته النقدية شكّلت عامل ضغط كبيرعلى تجاربكم كحداثيين ؟ ما هي علاقتك بالتاريخ ؟
- يعجبني الشاعر الصديق " عاشور الطويبي " حين يقول " سيسع المكان كل شيء "، ففي التنوع إثراء للواقع والخيال على حد سواء، فلا يمكننا تصور طقس واحد من الشعر مثلما لايمكننا تصور نمط واحد من التعبير الفني عموماً، …. تخيل أن العالم ظل متوقِفاً عند المسرح ولم تظهر السينما وتنتشر وتتطور أو الفن التمثيلي عبر التلفاز، تصور أن الرسم ظل عند النمط التصويري الكلاسيكي، أنا شخصياً أرى الشعر العربي القديم ضرب من ضروب المعرِفة والثقافة التأسيسية للمُنتِج الأدبي، علاوةً على أنَّهُ أداة من الأدوات ولستُ مع الذينَ يسمونه نكوصيا أو وثنياً … ما هذه المبالغات، الشعر المقفى الموزون أو شعر التفعيلة ( الحُر) أو الشعر الحداثوي الذي يسمى تجاوزاً قصيدة نثر، كل هذه تسميات لأجناس مختلفة من الشعر فالشعر والشعرية لا تكمنان في اختيار القالب، أو الشكل أو الجنس، لاسيما ونحنُ نعيش عصر انخِلاط الأجناس الأدبية، ونستشعر قُرب انصهارها في شكل واحد، فثمة قصائد منظومة كما حدد الفراهيدي تماماً ولكنها تخلو من الشعرية فنجدها مجرد أبيات منظومة موزونة لا شعر فيها، وكم من قصائد تدعي الحداثوية وتخلو من الشعر والشعرية، ثمة نظم وتأليف وصناعة فجة نجدها في الشعر الحديث أيضاً، أنا لا أحبذ هذه المعارك الجوفاء عن ماهية الشعر ولست مع تشكيك العموديين في الشعر الحديث حتى وصلت الدرجة إلى تخوينهم ووصفهم بالعمالة !! ولدينا أمثلة من ماضي المشهد العربي عندما أتهم حماة التقليد في بيروت ودمشق جماعة مجلة شعر واتهموهم بالعمالة للغرب وتقاضي أموال من المخابرات الأمريكية ! _ " تصوَّر ! " _، وعلى صعيد المشهد الليبي لازلنا نشهد الكتابات والمشافهات المحاربة للشعر الحداثي، لعل آخرها ما صرَّحَ به أمين الثقافة الليبي السابق " المهدي أمبيرش " الذي ذهب بعيداً في هجومه المتجني على كل ما هو حديث في الشعر، كذلك فإنني على اتجاه آخر لا أقول بما يذهب إليه بعض شعراء الحداثة وبعض غُلاة المنظرين لها إلى القطيعة النهائية مع الموروث وقتل التاريخ !، فشعر الأمس يظل مناهل معرفة وتذوق جمالي ومصدر من مصادر التراكم اللغوي والفني، شخصياً لن أكتب غير الشعر الحديث، ولا أعتبر نفسي كتبتُ شيئاً مهماً في الشعر القديم، عمودياً كانَ أَمْ تفعيلياً، لكن لا أنفر ممن أختار الشعر القديم مساحةً لحراكهِ الإبداعي، على أن يكون هذا التقليدي شعراً وليس مجرد نظم " مخدوم " بحرفنة شكلانية وحسب، فمن المُضحِك المُبكي، بل والمخجل أن تقوم قناة " المستقلة " الفضائية برصد أكبر جائزة في تاريخ الشعر العربي وتسميها " شاعر العرب "، وتستثني في شروط قبولها قصيدة النثر، إن في هذا إلغاء انتقامي لنهج أمثل من الشعر بدأ يفرض نفسه على الساحة، إقصاء يمكنك هذه المرة أن تسميه بالن

































نوسي حبيب